أبي حيان التوحيدي

282

المقابسات

بحسب الضرورة التي دخلت على الجسم من اليقظة الكادّة والحركة الجادّة ، بل الأمر كان بخلاف ذلك ، فإنها عند النوم عطفت على ما هو أخص بها وأعشق لها فتصرفت فيه وأملت ، وأنبأت عنه وأنذرت ، فكيف يكون هذا الشأن مع شرفه وجلالته وشدة التعجب [ منه ] مجهول القدر محمولا على أحسن الوجوه ؟ هذا ما لا يسمح به عقل من له معرفة في الصواب بسبب صحيح أو لصاحبه في مواصلة الحق رغبة تامة . وقال أبو سليمان في هذا الموضع : هذا ما جاء في الجواب ، وهو حسرة الطبيب ، والمهندس ، والمنجم ، والموسيقار ، والمنطقي ، والكلامي ، وجميع أصحاب النظر والقياس 77 مقابسة [ في استيلاء المحبة على الأجسام ، واستيلاء الغلبة عليها ونتائج كل منهما ] قرئ على أبى سليمان من كلام أبندقليس « 1 » : إذا استولت المحبة على الأجسام

--> ( 1 ) في الأصول : أسرقلس . وهو تصحيف وتحريف لاسم « أبندقليس » وهو عند أبي القاسم صاعد : بندقليس . وعند الشهرستاني : ابنذقلس . وعند ابن أبي أصيبعة : انباذقليس . وعند القفطي : ابيذقليس . وقد كان من أكابر فلاسفة اليونان ومتقدميهم . قال أبو القاسم صاعد الأندلسي في كتابه طبقات الأمم : وأعظم هؤلاء الفلاسفة عند اليونانيين قدر اخمسة ، فأولهم زمانا : بندقليس ، ثم فيثاغورس ، ثم سقراط ، ثم أفلاطون ، ثم أرسطاطاليس بن نيقوماخوس . قال : فأما بند قليس فكان في زمن داود النبي عليه السلام - على ما ذكره العلماء بتواريخ الأمم - وكان أخذ الحكمة عن لقمان بالشام ، ثم انصرف إلى بلاد اليونان فتكلم في خلقة العالم بأشياء يقدح ظاهرها في أمر المعاد ، فهجره لذلك بعضهم . وطائفة من الباطنية تنتهى إلى حكمته وتزعم أن له رموزا فلما يوقف عليها . . . . وكان أول من ذهب إلى الجمع بين معاني صفات اللّه تعالى وأنها كلها تؤدى إلى شئ واحد ، وأنه إن وصف بالعلم والجود والقدرة فليس هو ذا معان متميزة تختص بهذه الأسماء المختلفة ، بل هو الواحد بالحقيقة - الذي لا يتكثر بوجه ما أصلا ، بخلاف سائر الموجودات ، فان الوحدانيات العالمية معرضة للتكثر ، إما بأجزائها ، وإما بمعانيها ، وإما بنظائرها . وذات الباري تعالى متعالية عن هذا كله . وإلى هذا المذهب في الصفات ذهب أبو الهذيل محمد بن الهذيل العلاف البصري . وكان أبو عبد اللّه محمد بن عبد اللّه بن ميسرة بن نجيح الجبلي الباطني من أهل قرطبة كلفا بفلسفته دءوبا على دراستها . وقد روى الشهرستاني من فلسفته كلاما كثيرا في غاية الدقة والوضوح . ويظهر أن أصله من صقلية ، وأنه كان في القرن الخامس قبل الميلاد : وهذا هو الأقرب للصواب . وأما داود النبي فقد كان قبل ذلك بخمسة أجيال ، فهو إذا لم يره ولم يكن في زمانه خلافا لما نقله صاعد عن أرباب التواريخ